اسماعيل بن محمد القونوي
37
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
تكليف ما يمتنع لذاته كما يدل عليه فيجتمع الضدان وهو مما يمتنع لذاته والمراد بالتجويز الإمكان الواقع المقارن للوجود كما يشعر به قوله ( فإنه تعالى أخبر عنهم ) وقوله أيضا والحق أن التكليف بالممتنع الخ وهذا مذهب بعض الأشعرية فإنهم ذهبوا إلى وقوع التكليف بالمحال لذاته واستدلوا بأدلة يدل ظاهرها على ذلك ولهذا قال والآية مما احتج بها بمن التبعيضية ومن أدلتهم على ذلك سورة تبت وبهذا ظهر ضعف ما قيل ما يمتنع في نفسه لا يجوز ولا يقع التكليف به اتفاقا فإنه قد علمت أن بعض الأشعرية ذهبوا إلى وقوع التكليف به فضلا عن جوازه وأما ما يمكن في نفسه ولا يمكن من العبد عادة كخلق الجسم والصعود إلى السماء لا يقع التكليف به اتفاقا ويجوز عندنا خلافا للمعتزلة وما يمكن من العبد لكن تعلق بعدمه علمه تعالى أو إرادته يقع التكليف به اتفاقا فضلا عن الجواز قيل والمراد بالتكليف هنا طلب تحقيق الفعل والإتيان به واستحقاق العقاب على تركه لا مطلق الطلب ولا الطلب قصدا للتعجيز وإظهار عدم الاقتدار على الفعل كما في طلب معارضة القرآن للتحدي ولا يخفى أن ذلك مما يمكن من العبد لكن تعلقت بعدمه إرادته تعالى فيتحقق صورة التكليف فيه أيضا ولهذا سكت عن هذا التفصيل أكثر المحققين نعم تصريح الأئمة بأن الأمر في قوله تعالى : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] الآية للتعجيز يلائم هذا التفصيل فحينئذ ينبغي التعرض بمثل قوله تعالى : قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً [ الإسراء : 50 ] الآية وقوله تعالى : فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [ البقرة : 65 ] إلا أن يقال قول القائل لا مطلق الطلب الخ إشارة إليه . قوله : ( بأنهم لا يؤمنون ) ظاهره أنه اختيار كونه خبر إن لكن إنه عامل لكل الوجوه ( وأمرهم ) أي في ضمن الأمر العام أو أمرهم بخصوصهم كأبي لهب وعتبة وشيبة على اختلاف فيه وأبي جهل إذ الاستدلال بناء على أن يراد بالموصول ناس بأعيانهم كما صرح به بعض المحشيين أي وأمرهم بخصوصهم ( بالإيمان ) مع حكمه تعالى بأنهم لا يؤمنون إلى أن يموتوا وهو ممتنع لذاته ( فلو آمنوا انقلب خبره كذبا ) لكن التالي باطل فالمقدم مثله فإيمانهم لاستلزام فرض وقوعه المحال محال قوله ( وشمل إيمانهم الإيمان بأنهم لا يؤمنون ) هذا وجه آخر مغاير للأول توضيحه أن أبا لهب مثلا كلف بالإيمان وهو تصديق النبي عليه السّلام في جميع ما علم مجيئه به بالضرورة ومن جملته أنه لا يؤمن والتصديق بأنه لا يصدق فرع عدم التصديق فالتكليف بالإيمان يستلزم التكليف بعدم الإيمان فيجتمع التكليف بالإيمان وعدمه في حالة واحدة فيجتمع النقيضان وهذا مراد المصنف بقوله ( فيجتمع الضدان ) إذ المشايخ قد يستعملون التضاد في مطلق التقابل ولا ريب في استحالة إذعان ما وجد من نفسه خلافه فحينئذ يقع التكليف بالممتنع لذاته فضلا عن جوازه وبهذا التوضيح يندفع الإشكال بأن تصديق عدم تصديق قيام زيد ليس بمستحيل بل واقع وجه الاندفاع أن المراد تصديق قيام زيد في حال عدم تصديقه ولا شك في استحالته والأكثرون اكتفوا في تقرير الاحتجاج بهذا الوجه الأخير وهو الأولى إذ الوجه الأول لا يفيد كونه تكليفا بالممتنع لذاته كما ستعرفه .